صوت كندا – مع حلول فصل الخريف من كل عام، تعود إلى الواجهة في كندا قضية تغيير التوقيت إلى التوقيت الشتوي، أو ما يُعرف بـ “التوقيت الصيفي” المتأخر الذي ينتهي في نوفمبر. هذه الممارسة، التي تُعرف عالميًا بتغيير الساعة، تثير جدلاً واسعًا وتساؤلات عميقة حول فعاليتها، وتأثيراتها الاقتصادية، والصحية، والاجتماعية على المواطنين الكنديين. فهل لا يزال لهذه الممارسة مكان في القرن الحادي والعشرين، أم أن الوقت قد حان لإعادة النظر فيها بشكل جذري؟
تاريخيًا، بدأ العمل بتغيير الساعة بهدف توفير الطاقة خلال الحربين العالميتين، ومن ثم انتشر في العديد من الدول. الفكرة الأساسية كانت تتمثل في استغلال ساعات النهار الطبيعية بشكل أفضل، مما يقلل من الحاجة إلى الإضاءة الاصطناعية في المساء. في كندا، تطبق معظم المقاطعات والأقاليم هذا التغيير، باستثناء بعض المناطق مثل ساسكاتشوان وأجزاء من كيبيك. ومع ذلك، فإن الفوائد المزعومة لتوفير الطاقة أصبحت محل شك متزايد في الأبحاث الحديثة، حيث تشير بعض الدراسات إلى أن أي وفورات في الإضاءة قد تقابلها زيادة في استهلاك الطاقة للتدفئة أو التبريد، تبعًا للمناخ.
من الناحية الاقتصادية، يثير تغيير الساعة مخاوف بشأن الإنتاجية وتكلفة التكيف. فالتغيير المفاجئ في الجدول الزمني يمكن أن يؤثر على جداول العمل والنقل والاتصالات، مما يتسبب في اضطرابات صغيرة ولكنها متراكمة. على سبيل المثال، يرى بعض أصحاب الأعمال أن تغيير الساعة يؤثر على ساعات عمل المتاجر وأنشطة الترفيه في المساء، حيث يفضل المستهلكون قضاء وقت أقل خارج المنزل في الظلام. هذا الجانب الاقتصادي يتطلب دراسة أعمق لفهم التأثيرات الكلية على الناتج المحلي الإجمالي وعلى القطاعات المختلفة.
التداعيات الصحية هي أحد أبرز محاور الجدل. تشير العديد من الدراسات إلى أن تغيير الساعة، حتى ولو لساعة واحدة، يمكن أن يؤثر بشكل كبير على الإيقاع اليومي للجسم (Circadian Rhythm). هذا الاضطراب قد يؤدي إلى مشاكل في النوم، وزيادة في حوادث السير في الأيام التي تلي التغيير، وارتفاع معدلات الإصابة بالأزمات القلبية في بعض الفترات. يرى الأطباء والباحثون في مجال النوم أن الحفاظ على توقيت ثابت على مدار العام من شأنه أن يحسن من الصحة العامة والرفاهية للأفراد. كما أن هناك مخاوف بشأن تأثيره على الصحة النفسية، حيث يمكن أن يساهم التغيير في زيادة مستويات التوتر والقلق لدى بعض الأشخاص.
على الصعيد الاجتماعي، يؤثر تغيير الساعة على الحياة اليومية للعائلات، خاصة تلك التي لديها أطفال صغار. فالتكيف مع التوقيت الجديد يمكن أن يكون تحديًا للأطفال، مما يؤثر على جداول نومهم واستيقاظهم. كما يثير هذا التغيير تساؤلات حول السلامة العامة، حيث يعتقد البعض أن حلول الظلام المبكر في المساء يمكن أن يزيد من خطر الجريمة أو يقلل من الأنشطة الخارجية بعد العمل أو المدرسة. هذا الجدل الاجتماعي يعكس رغبة متزايدة في استقرار التوقيت، بما يخدم مصالح جميع الفئات العمرية.
شهدت كندا مؤخرًا حركات ومبادرات سياسية تدعو إلى إلغاء تغيير الساعة، وتطبيق التوقيت الصيفي بشكل دائم على مدار العام. وقد قامت بعض المقاطعات، مثل أونتاريو، بمناقشة تشريعات في هذا الصدد، ولكن التحدي يكمن في التنسيق بين المقاطعات المختلفة ومع الولايات المتحدة المجاورة، حيث أن التوقيت المشترك يسهل التجارة والسفر. هذا التنسيق الإقليمي والدولي يعد حجر الزاوية في أي قرار مستقبلي بشأن إلغاء هذه الممارسة.
يظل تغيير الساعة الشتوية في كندا قضية متعددة الأوجه، تجمع بين التاريخ، والاقتصاد، والصحة، والجوانب الاجتماعية. ففي الوقت الذي قد تكون فيه الأسباب الأصلية لتطبيقه قد تلاشت، فإن التداعيات الحالية تستدعي إعادة تقييم شاملة. ربما حان الوقت لكندا للنظر في التخلي عن هذه الممارسة التي أصبحت مثار جدل، والتوجه نحو نظام توقيت أكثر استقرارًا يمكن أن يعود بالنفع على صحة ورفاهية واقتصاد مواطنيها. إنها دعوة للتفكير في ساعة “التغيير” نفسها، وما إذا كانت لا تزال تخدم الغرض الذي وُضعت من أجله في عالمنا المعاصر…المزيد
كاتب المقال
أحمد صلاح حسني
صحفي ومترجم
مؤسسة صوت كندا الاعلامية
للتواصل ahmed@canadaalyom.com
فرص عمل اضافية في كندا مع روابط التقديم.. اضغط هنا
طرق الهجرة واللجوء لكندا والقوانين الجديدة.. اضغط هنا
تابع أخبار كندا والجديد في القوانين لحظة بلحظة اضغط هنا
كندا, صوت كندا , التوقيت الشتوي, تغيير الساعة, توفير الطاقة, الإيقاع اليومي, الصحة,، الاقتصاد, اضطراب النوم, حوادث السير, الأزمات القلبية, السلامة العامة, ساسكاتشوان, أونتاريو, كيبيك, مبادرات سياسية, تنسيق إقليمي, رفاهية, استقرار التوقيت, القرن الحادي والعشرين.


